الشيخ محمد رشيد رضا

180

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أريد به باطل واستدل على ذلك بتشبيهه تعالى تكذيبهم بتكذيب من كان قبلهم من المشركين لرسل اللّه إليهم وما جاءوهم به من التوحيد وانكار الشرك وما لم يأذن اللّه به من الشرع في التحليل والتحريم والعبادة وغير ذلك . ولكن عبارته في هذا المقام مضطربة ليست كسائر عباراته في الجلاء . وقد قال في آخرها ان لها عنده عللا أخرى غير ما ذكره يطول بذكرها الكتاب ( قال ) « وفيما ذكرناه كفاية لمن وفق لفهمه » وما قال هذا إلا عن شعور بضعف العبارة وانها لا تكاد تفهم بسهولة وقد جارى أحمد بن المنير صاحب الكشاف على جعل شبهة المشركين عين شبهة المجبرة ثم جعل الآيتين مبطلتين لمذهبي المعتزلة والمجبرة جميعا فقال في الانتصاف ما نصه . قد تقدم أيضا الكلام على هذه الآية « 1 » وأوضحنا أن الرد عليهم إنما كان لاعتقادهم انهم مسلوبون اختيارهم وقدرتهم وان اشراكهم إنما صدر منهم على وجه الاضطرار وزعموا أنهم يقيمون الحجة على اللّه ورسله بذلك فرد اللّه قولهم وكذبهم في دعواهم عدم الاختيار لأنفسهم وشبههم بمن اغتر قبلهم بهذا الخيال فكذب الرسل وأشرك باللّه واعتمد على أنه إنما يفعل ذلك كله بمشيئة اللّه ورام افحام الرسل بهذه الشبهة ، ثم بين اللّه تعالى انهم لا حجة لهم في ذلك وان الحجة البالغة له لا لهم بقوله ( قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ ) ثم أوضح تعالى ان كلا واقع بمشيئته وانه لم يشأ منهم إلا ما صدر عنهم وانه لو شاء منهم الهداية لاهتدوا أجمعون بقوله ( فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ) والمقصود من ذلك أن يتمحض وجه الرد عليهم وتتخلص عقيدة نفوذ المشيئة وعموم تعلقها بكل كائن عن الرد ، وينصرف الرد إلى دعواهم بسلب الاختيار لأنفسهم وإلى اقامتهم الحجة بذلك . وإذا تدبرت هذه وجدتها كافية في الرد على من زعم من أهل القبلة ان العبد لا اختيار له ولا قدرة البتة بل هو مجبور على أفعاله مقهور عليها وهم الفرقة المعروفون بالمجبرة ، والمصنف يغالط في الحقائق فيسمي أهل السنة مجبرة وان أثبتوا للعبد اختيارا وقدرة ، لأنهم يسلبون تأثير قدرة العبد ويجعلونها مقارنة لافعاله الاختيارية ، مميزة بينها وبين أفعاله القسرية ، فمن هذه الجهة سوى بينهم وبين المجبرة ويجعله لقبا عاما لأهل السنة « 2 » وجماع الرد على المجبرة

--> ( 1 ) لعل الأصل : على مثل هذه الآية ( 2 ) لا يستطيع ابن المنير أن ينكران كسب الأشعرية واختيارهم لا يخرجهم من فرقة المجبرة ولذلك صرح بعضهم بأنهم منهم وفي مقدمتهم امامهم الرازي وبعضهم أنكر اللفظ فقط